ابن قتيبة الدينوري

107

تأويل مشكل القرآن

هذا : أن العدوّ إذا أحاط بقوم أو بلد فحاصره فقد دنا أهله من الهلكة . وقال في موضع آخر : وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ [ الكهف : 42 ] . ومنه قوله : فَما بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّماءُ وَالْأَرْضُ وَما كانُوا مُنْظَرِينَ ( 29 ) [ الدخان : 29 ] تقول العرب إذا أرادت تعظيم مهلك رجل عظيم الشأن ، رفيع المكان ، عامّ النفع ، كثير الصنائع : أظلمت الشمس له ، وكسف القمر لفقده ، وبكته الرّيح والبرق والسماء والأرض . يريدون المبالغة في وصف المصيبة به ، وأنها قد شملت وعمّت . وليس ذلك بكذب ، لأنّهم جميعا متواطئون عليه ، والسّامع له يعرف مذهب القائل فيه . وهكذا يفعلون في كل ما أرادوا أن يعظّموه ويستقصوا صفته . ونيّتهم في قولهم : أظلمت الشمس ، أي كادت تظلم ، وكسف القمر ، أي كاد يكسف . ومعنى كاد : همّ أن يفعل ولم يفعل . وربما أظهروا كاد ، قال ابن مفرّغ الحميريّ يرثي رجلا « 1 » : الرّيح تبكي شجوه * والبرق يلمع في غمامه وقال آخر « 2 » : الشّمس طالعة ليست بكاسفة * تبكي عليك ، نجوم اللّيل والقمرا أراد : الشمس طالعة تبكي عليك ، وليست مع طلوعها كاسفة النجوم والقمر ، لأنّها مظلمة ، وإنما تكسف بضوئها ، فنجوم الليل بادية بالنهار . وهذا كقوله النابغة وذكر يوم حرب « 3 » :

--> ( 1 ) يروى البيت بلفظ : الريح تبكي شجوها * والبرق يضحك في الغمامة والبيت من مجزوء الكامل ، وهو لابن مفرغ في ديوانه ص 208 ، ولسان العرب ( درك ) ، وتفسير البحر المحيط 7 / 36 ، وأمالي المرتضى 1 / 39 ، 2 / 96 ، وشرح شواهد الشافية ص 36 ، والبيت بلا نسبة في الصاحبي في فقه اللغة ص 201 ، والأضداد لابن الأنباري ص 372 . ( 2 ) البيت من البسيط ، وهو لجرير في ديوانه ص 736 ، والأشباه والنظائر 5 / 307 ، وأمالي المرتضى 1 / 52 ، وشرح شواهد الشافية ص 26 ، والعقد الفريد 1 / 96 ، ولسان العرب ( كسف ) ، ( بكى ) ، وبلا نسبة في لسان العرب ( شمس ) . ( 3 ) البيت من البسيط ، وهو في ديوان النابغة الذبياني ص 83 ، وخزانة الأدب 2 / 133 ، 134 ، والشعر والشعراء 1 / 125 ، والبيت بلا نسبة في رصف المباني ص 418 ، ولسان العرب ( روح ) .